عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
88
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
لمظهر العبودية ، فتأدب بآداب الكمال واختص بأن كان هو حبيب المتعال ، وسر ذلك أن الحب أول توجه من الحق لوجود العالم ومحمد أول موجود صلى اللّه عليه وسلم فكان أول التوجهات مقاما لأول الموجودات . الحب أول ذا الوجود المطلق * والحب أخرجكم خلق مرتق بالحب كان الابتداء لوجودنا * وبه الختام لمن درى بتحقق لولا مقام الحب أعلى رتبة * ما كان اسم حبيبه العبد التقي فالحب علة كل أمر ظاهر * والحب شيمة كل عبد متقي ليت شعري هل علمت لم أحب المعبود ظهور هذا الوجود ، أحبه لأنه أوجده نسخة جماله وجلاله فكان بوجود العالم ظهور كماله ، فأراد شهود باطن صورة نفسه في ظاهر الحس المجعول مرآة لقدسه ومظهرا لهيبته وأنسه ، فنفسه المحبوبة المشهودة وملاحته المطلوبة الموجودة ، وكذلك محبة آدم لحواء كانت لكونها خلقت من ضلعه شخصا مستوى ، فالمحبوب إذن له نفسه والمرغوب إليه حسنه المشاهد له حسه ، والروح المحمدية في محبتها للذات الإلهية غير الوصف المذكور والأمر المسطور إنما أحب ذاته ونفسه وصفاته ، وما ضرب ستار الغيرية بينه وبين الربوبية إلا لإبقاء المقام حقه ، فلا يقال إن خلقه حقه وهكذا يفعل كل أديب وعارف ولبيب فقوله : « حبب إليّ النساء » إشارة إلى الذات ولا خفاء لأن المرأة مخلوقة من ضلع الإنسان وضلعه ذاته بلا خلف وجحدان ، والذات محبوبة بالطبع لكل أحد تأسيسا بمحبة الواحد الأحد ، ولذلك صح لمحمد استيعاب الكمالات من سائر الجهات ففاز بكمالات الوجود الخلقي ، فإن كنت مؤمنا فأنت منه لقوله : « والمؤمنون مني » « 1 » فلا تخرج عنه أطلب مطلوبه وارغب مرغوبه واحبب محبوبه تشرب مشروبه ، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، [ الأحزاب : 33 ] فاستيقظ يا هذا من هذه السنة . إني رجعت إلى الحبيب بحبه * في حسنه الباهي البديع الأحسن وذهبت في أوصافه غنى به * في شام معنى نعته والأيمن ففنيت عني في بقاء جلاله * وبقيت عنه في الملاحة إذ فني أعطيته ما كان لي بكماله * وأخذت منه ماله بتمكن فتبدلت أوصافنا فينا بنا * من غير وصف تحقق وتكون
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .